كنت لسه حامل
كنت لسه حامل في بنتي، لما فقدت جوزي، وبعد كام يوم بس من ولادتها، ظابط شرطة لقى ظرف غامض مرمي قدام بيتي.
كنت في الشهر السابع من الحمل لما جوزي مات.
في ليلة، كنا قاعدين سوا على الكنبة، بنضحك ونتكلم عن أسماء البيبي، وكل واحد فينا بيحاول يقنع التاني إن الاسم اللي اختاره هو الأحلى.
لكن بعد أقل من 24 ساعة، ظابط مرور وقف على باب بيتنا، وقال لي إن جوزي مات في حادثة مروعة.
كل اللي حصل بعد كده كان بالنسبالي زي الحلم.
مش فاكرة تقريبًا حاجة عن الجنازة.
ولا فاكرة كويس سيل الناس اللي كانت بتدخل وتخرج من البيت قرايب وأصحاب، ورد، وكروت عزاء، وأكل كانوا بيجيبوهولي.
لأسابيع، كنت بكرر لنفسي نفس الجملة
لازم أكمل عشان بنتي.
ولما بنتي اتولدت أخيرًا، بقت هي السبب الوحيد اللي بيخليني أصحى من السرير كل يوم.
بعد ما فقدت جوزي، وأنا شايلة بنتي بين إيديا، حسيت إن لسه فيه حاجة ثابتة أقدر أتمسك بيها.
لسه فيه حد محتاجني.
بعد 3 أيام من الولادة، الدكاترة قالوا لنا إننا نقدر نروح البيت.
كنت منهكة، مكسورة، ومرعوبة من فكرة إني هربي بنتنا من غير أبوها.
لكن في نفس الوقت، كنت نفسي أخرج من المستشفى وأبدأ حياتي الجديدة، مهما كانت صعبة.
لكن أول ما دخلت شارعي
عرفت على طول إن فيه حاجة غلط.
كان فيه كذا جار واقف قدام بيته.
ولا واحد فيهم سلّم عليّا.
ولا حد ابتسم.
كلهم كانوا باصين ناحية بيتي.
بصيت في نفس الاتجاه.
وكدت أنسى أتنفس.
بيتي كان أسود.
مش بس باب البيت.
الواجهة كلها كانت متغطية بدهان أسود تقيل.
البلكونة.
الحوائط.
حتى الأعمدة البيضا اللي جوزي قضى صيف كامل وهو بينضفها ويصنفرها ويرممها بإيده.
حد دهّن تقريبًا كل حاجة بالأسود خلال الليل.
فضلت قاعدة في العربية من غير ما أتحرك، وأنا حاضنة بنتي المولودة حديثًا على صدري، والدموع بدأت تنزل من عيني.
مين ممكن يعمل حاجة بالحقارة دي؟
والأهم
ليه؟
مفيش أي رسالة مكتوبة على الحيطان.
مفيش شباك متكسر.
ومفيش حاجة شكلها اتسرقت.
مجرد دهان أسود غطّى البيت اللي كنت أنا وجوزي بنحلم نربي بنتنا فيه سوا.
واحد من الجيران كان بالفعل اتصل بالشرطة.
وبعد وقت قليل، وصل كذا ظابط.
واحد منهم بدأ يصور البيت ويفتش حوالين المكان، وظابط تاني وقف جنبي وفضل يسألني أسئلة.
هل جوزي كان متخانق مع حد؟
هل كان ليه أعداء؟
هل أنا أو هو كنا اتعرضنا لتهديدات قبل كده؟
هل فيه حد ممكن يكون عايز يخوفني؟
ماكنتش قادرة أفكر في حد.
وفجأة، ظابط تاني مشي ناحية صندوق البريد.
فتحه
وفضل واقف مكانه.
اتجمد تمامًا.
وبصلي وقال
مدام
نبرة صوته خلت معدتي تتقبض.
وأنا لسه حاضنة بنتي، مشيت ناحيته بخطوات بطيئة.
جوا صندوق البريد كان فيه ظرف أبيض صغير.
من غير طابع.
من غير عنوان للمرسل.
ومفيش أي علامة تقول مين اللي حطه هناك.
إلا حاجة واحدة بس
اسم بنتي المولودة كان مكتوب على الظرف بخط الإيد.
قلبي بدأ يدق بسرعة.
لأن ناس قليلة جدًا هي اللي كانت تعرف الاسم اللي أنا وجوزي قررنا نسميها بيه.
الظابط بص للظرف شوية، وبعدها بصلي وقال
أعتقد إنك لازم تشوفي اللي جواه.
إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها آخد الظرف.
لأن في اللحظة دي، بقى فيه حقيقة مخيفة مستحيل أتجاهلها.
اللي دهّن بيتي بالأسود
ماختارش بيتي بالصدفة.
هو كان عارف أنا مين.
وعارف أنا ساكنة فين.
وبطريقة ما
كان عارف اسم بنتي قبل حتى ما ترجع البيت.
واللي كان جوه الظرف كان مجرد بداية للحقيقة اللي هتقلب حياتي كلها ووو
حكايات زيزي
فتحت الظرف بإيدين مرتعشتين، والظابط كان واقف جنبي، عينيه مثبتة على الورقة كأنه مستني يشوف حاجة هو نفسه مش عايز يصدقها.
طلعت ورقة واحدة بس.
مفيش اسم.
مفيش توقيع.
ومفيش غير سطر واحد مكتوب بخط واضح
إنتِ رجعتي البيت بس بنتك مش المفروض تكون هنا.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
بصيت لبنتي اللي كانت نايمة في حضني، وشديتها أكتر لصدرى من غير ما أحس.
قلت للظابط بصوت مبحوح
يعني إيه مش المفروض تكون هنا؟
ما ردش.
أخد الورقة مني بحذر، وقراها مرة تانية.
وبعدين قلبها على ضهرها.
وكان فيه كلام تاني.
المرة دي كان مكتوب بخط أصغر
لو عايزة تعرفي ليه بيتك اتدهّن أسود دوري في حاجة جوزك سابها قبل ما يموت.
قلبي اتقبض.
جوزي؟
إيه علاقة جوزي باللي بيحصل؟
أنا طول عمري كنت أعرفه إنسان هادي، ملوش في المشاكل، وبيبعد عن أي حاجة ممكن تسبب له أذى.
بصيت للظابط وقلت
هو كان مخبي عني حاجة؟
قبل ما يجاوب، واحد من الظباط اللي كان بيفتش حوالين البيت ناداه
يا فندم تعالى شوف ده.
مشينا ناحيته.
كان واقف جنب الحائط الخلفي للبيت.
وأشار ناحية الأرض.
فيه آثار أقدام واضحة في التراب.
لكن الغريب إنها كانت متوقفة عند الحائط
كأن الشخص اللي كان هنا وقف لحظة، وبعدين اختفى.
الظابط نزل لمستوى الأرض، فحص الآثار، وبعدها وقف وقال
دي مش آثار حد كان داخل يسرق.
بصيت له.
أمال كان بيعمل إيه؟
سكت ثواني، وبعدين قال
كان عايزنا نعرف إنه كان هنا.
الكلمة دي خلتني أحس إن الموضوع أكبر من مجرد تخويف.
دخلت البيت لأول مرة بعد رجوعي من المستشفى.
كل حاجة كانت زي ما سبتها.
الكنبة اللي كنت قاعدة عليها مع جوزي.
الكوباية اللي كان بيشرب فيها.
الجاكت اللي كان معلّقه ورا الباب.
لكن وأنا ماشية ناحية أوضة النوم، لمحت حاجة غريبة.
درج صغير في الكومودينو كان مفتوح.
أنا متأكدة إني قفلته قبل ما أروح المستشفى.
قربت منه.
جواه كانت فيه ورقة قديمة.
فتحتها.
كانت فاتورة من مكان مش فاكرة إني شفت اسمه قبل كده.
وتحت الفاتورة، كان فيه رقم مكتوب بالقلم.
رقم مكوّن من ست أرقام.
وقبل ما ألحق أفهم حاجة، الظابط دخل الأوضة وقال
مدام إنتِ متأكدة إن جوزك ماكانش بيستخدم الدرج ده؟
هززت راسي.
أنا أصلًا ماكنتش أعرف إن فيه حاجة هنا.
سحب الظابط الدرج بالكامل.
وتحت الخشب، لقينا تجويف صغير جدًا.
جواه مفتاح.
مفتاح حديد قديم.
ومربوط فيه ورقة صغيرة مكتوب عليها
ماتفتحيش الخزنة غير لما بنتك ترجع البيت.
فضلت باصة للجملة وأنا مش فاهمة.
بنتي كانت بالفعل في حضني.
لكن فجأة
الظابط اللي كان ماسك الورقة رفع عينيه ناحيتي وقال
هو جوزك كان عنده خزنة؟
قلت
معرفش.
سكت لحظة.
وبعدين بص للظابط التاني.
نظرة بينهم خلتني أحس إنهم فهموا حاجة أنا لسه مش فاهمها.
وقبل ما حد يتكلم
رن جرس البيت.
مرة.
وبعدين مرة تانية.
الظابط اتحرك بسرعة ناحية الباب.
فتح الباب بحذر.
مفيش حد.
بس على عتبة البيت كان فيه صندوق خشبي صغير.
وفوقه ورقة بيضاء.
المرة دي
ماكانش مكتوب عليها اسم بنتي.
كان مكتوب اسمي أنا.
وتحت اسمي جملة واحدة
دلوقتي افتحي الصندوق.
أنا بصيت للظابط، وبعدين للصندوق.
ولأول مرة من ساعة وفاة جوزي، جالي إحساس مرعب إن موته يمكن ماكانش مجرد حادث عاديفضلت واقفة قدام الصندوق، مش قادرة أقرب منه.
الظابط مد إيده وقال
محدش يلمسه.
لبس جوانتي، ونزل لمستوى الصندوق وفحصه من كل ناحية.
كان صندوق خشب قديم، صغير، ومقفول بقفل نحاس.
مفيش عليه أي علامة.
لكن لما قلبه على الناحية التانية، لقينا حاجة خلت وشه يتغير.
كان محفور على الخشب رقم.
نفس الرقم اللي لقيته في درج جوزي.
بصلي وقال
الرقم ده معناه حاجة؟
هززت راسي.
لا بس أنا لقيته من شوية مكتوب في ورقة جوه درج جوزي.
سكت.
وبعدين طلب من واحد من الظباط يجيب جهاز فحص.
بعد دقائق، اتأكدوا إن الصندوق مفيهوش أي شيء خطر.
فتحوه.
وكان جواه ثلاث حاجات بس.
فلاشة صغيرة.
صورة قديمة لجوزي وهو طفل.
وورقة مطوية.
مسكت الصورة أولًا.
جوزي كان واقف جنب راجل كبير، والاتنين قدام مبنى قديم.
قربت الصورة من عيني.
الراجل اللي واقف جنبه ماكنتش أعرفه.
لكن خلف الصورة كان مكتوب
المكان ده هو البداية.
فتحت الورقة.
وكانت مكتوبة بخط جوزي.
أول ما شفت خطه، دموعي نزلت لوحدها.
لأني كنت مستعدة أشوف أي حاجة
إلا إني أشوف كلام منه بعد موته.
كان مكتوب
لو وصلتي للورقة دي، يبقى حصل اللي كنت خايف منه.
اتنفست بصعوبة.
وكملت.
أنا عارف إنك هتسألي ليه ماقولتلكيش حاجة. والإجابة مش لأنّي ماكنتش بثق فيكي. بالعكس كنت بحاول أحميكي.
إيدي بدأت تترعش.
فيه حاجة حصلت من سنين، وحاولت أقفل صفحتها. كنت فاكر إني نجحت. لكن قبل الحادث بأيام، اكتشفت إن الموضوع رجع تاني.
وقفت عن القراءة.
بصيت للظابط.
هو كان عارف إن فيه حد بيراقبه؟
الظابط ما ردش.
أكملت.
لو حصل لي حاجة، ماتثقيش في أي حد يقولك إن موتي كان مجرد حادث. لكن في نفس الوقت، ماتواجهيش حد بنفسك. دوري على الحقيقة بهدوء.
بلعت ريقي.
وفي آخر السطر كان مكتوب
وأهم حاجة خلي بنتنا بعيدة عن الموضوع ده مهما حصل.
حضنت بنتي بقوة.
حسيت إن الدنيا كلها بتلف حواليا.
جوزي كان عارف إن فيه خطر.
ومع ذلك مات من غير ما يقولي.
لكن قبل ما ألحق أكمل، سمعت صوت الظابط
مدام في حاجة تانية.
بصيت له.
كان ماسك الفلاشة.
وقال
دي عليها ملف واحد بس.
إيه هو؟
بص للشاشة.
وبعدين رفع عينه ناحيتي.
فيديو.
قلبي وقف تقريبًا.
وصلنا الفلاشة بجهاز موجود عند الشرطة.
ظهر الفيديو.
في البداية كانت الشاشة سودة.
وبعدين ظهر جوزي.
قاعد على كرسي، قدام كاميرا ثابتة.
وشكله كان متوتر بشكل عمري ما شفته عليه.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال
لو إنتِ بتتفرجي على التسجيل ده يبقى أنا غالبًا مش موجود.
دموعي نزلت.
صوته كان هادي، لكن عينيه كانوا مليانين خوف.
قال
أنا مش هقولك كل التفاصيل هنا، لأن الفيديو ممكن يقع في إيد أي حد. لكن فيه حاجة لازم تعرفيها.
قرب من الكاميرا.
وقال
الحادث اللي حصل لي ماكانش أول محاولة.
شهقت من غير ما أحس.
الظابط وقف التسجيل لحظة، وبصلي.
إنتِ عندك علم إن جوزك اتعرض لحادث قبل كده؟
هززت راسي بسرعة.
لا عمره ما حكالي.
رجعنا الفيديو.
ظهر جوزي تاني.
وقال
في المرة الأولى، حصلت حاجة بسيطة وقدرت أعديها. لكن المرة التانية كانوا أذكى.
سكت.
وبعدين قال جملة واحدة خلت الدم يتجمد في عروقي
الشخص اللي بدور عليه موجود قريب منك أكتر مما تتخيلي.
الفيديو وقف فجأة.
الشاشة اسودت.
حاول الظابط يشغله تاني.
ما اشتغلش.
وفي نفس اللحظة
سمعنا صوت خبط قوي على باب البيت.
الظباط كلهم اتحركوا بسرعة.
وأنا رجعت خطوة للخلف وأنا حاضنة بنتي.
اتفتح الباب.
لكن مفيش حد.
كان فيه ظرف جديد على الأرض.
الظابط أخده.
بص على الاسم.
وبعدين وشه اتغير.
مدهولي من غير ما يتكلم.
بصيت عليه.
كان مكتوب
إلى أرملة محمود لو عايزة تعرفي مين كان آخر شخص شاف جوزك قبل الحادث، اسألي عن الرجل اللي ظهر في الصورة.
رفعت عيني للصورة القديمة اللي كانت لسه في إيدي.
الراجل الغريب اللي واقف جنب جوزي وهو طفل
لأول مرة لاحظت تفصيلة ماخدتش بالي منها.
في خلفية الصورة كان فيه لافتة صغيرة باسم مكان.
والمكان ده
أنا أعرفه كويس.
لأن جوزي كان بيروح هناك كل شهر تقريبًا.
ومن غير ما يقولي ليه تاني يوم الصبح، ماقدرتش أنام.
فضلت طول الليل قاعدة جنب سرير بنتي، وكل شوية أبص على وشها الصغير وأفتكر جملة جوزي
خلي بنتنا بعيدة عن الموضوع ده.
لكن أنا ماكنتش عارفة أعمل إيه.
أهرب؟
أستخبى؟
ولا أدور على الحقيقة؟
في الآخر، قررت إني لازم أعرف المكان اللي كان جوزي بيروحه كل شهر.
طلعت الصورة القديمة من الظرف، وبصيت للافتة اللي في الخلفية.
كان مكتوب عليها اسم مركز قديم اسمه مركز النور للرعاية الاجتماعية.
المكان كان على أطراف المدينة، ومش بعيد عن بيتنا.
الغريب إني عمري ما سمعت جوزي بيتكلم عنه.
ولا مرة.
اتصلت بالظابط اللي كان مسؤول عن التحقيق، وحكيت له.
قال لي فورًا
ماتروحيش لوحدك.
وبالفعل، بعد أقل من ساعة كان واقف قدام البيت.
وصلنا للمركز.
المبنى كان قديم، وبابه الحديد عليه طبقة صدأ.
دخلنا.
استقبلتنا ست كبيرة في السن، ولما شافت الصورة في إيدي، وشها اتغير.
قالت
إنتِ مرات محمود؟
اتجمدت.
إنتِ تعرفيه؟
بصت للصورة، وبعدها بصتلي.
مش هو اللي أعرفه أنا أعرف الطفل اللي في الصورة.
قلبي دق بسرعة.
طفل؟
أشارت لجوزي.
محمود كان بييجي هنا وهو صغير.
بصيت للظابط.
وبعدين رجعت أبص لها.
بس جوزي عمره ما قال لي إنه عاش هنا.
تنهدت الست.
لأنه ماكانش بييجي هنا بمزاجه.
سكتنا كلنا.
وبعد لحظة، قالت
محمود كان واحد من الأطفال اللي اتسجلوا هنا زمان.
حسيت إني مش فاهمة.
يعني إيه اتسجلوا؟
قبل ما تجاوب، دخل راجل كبير من آخر الممر.
أول ما شاف الصورة
وقف مكانه.
وشه اصفر.
وبص للست.
وقال بصوت منخفض
إنتِ ليه وريتيها الصورة؟
الظابط اتحرك ناحيته.
إنت مين؟
الراجل ما ردش.
فضل باصص للصورة.
وبعدين قال
كنت عارف إن اليوم ده هييجي.
سألته
إنت تعرف جوزي؟
رفع عينيه ناحيتي.
أنا كنت أعرفه قبل